الكلاب
انتقلنا إلى الحي الجديد في غراهام، فهي مدينة صغيرة وهادئة إلى حدٍّ ما، خلافاً للمدن الأمريكية الكبيرة الصاخبة. أتيتُ إلى المدينة بغية العمل. وهذه ليست المرة الأولى في تغيير موقعي ولذلك كانت جميع المدن بالنسبة لي سيَّان طالما أن المكان لن يزيد في غربتي، فأنا غريب أينما حللت. يقع المنْزل ما بين بيتين أحدهما مسوَّر بسياج خشبي والآخر بأشرطة معدنية. كنت أسمع صوت عجوز تتكلم في البيت الأول دون أن يصدر جواباً. وظننت أنها تخاطب نفسها أو شخصاً أخرس يرد عليها بالإشارة. ولم ينكشف لي هذا اللغز حتى شاهدتها قبل الظهيرة تجرُّ كلبها الصغير وراءها. كان حجم الكلب أقل حجماً من الهرة، أبشع ما فيه صوته المزعج، وقبل أن ترفع يدها بالسلام، تأمَّلتني عن بعد. ربما كانت تستشير نفسها بأني أهلٌ للسلام أم لا. وعندما حاولت الاستمرار ترددتْ ثم استدارتْ متَّجهة ناحيتي. جفافها بدا من خلال عظامها البارزة وخاصة في أطرافها العارية المنبثقة من ثوبها الأحمر. كان الكلب يتمرَّد على لجامه يحاول الإفلات، ثم أنه أضاف لعصيانه نباحه المزعج. ربما لم يرق له شكلي، حتى أن نباحه تحوَّل إلى زعيق وصفير. وقبل أن تبادرني أمرَتِ الكلبَ أن يصمت، إلاَّ أنه لم يكترث بل زاد من ضجيجه، فقالت وصوتها يتغلب على نباحه:
- إنك النَّزيل الجديد هنا، أليس كذلك؟
فأجبتُ بلهجة ودِّيَّة مقتضبة بنعم.
وقبل أن تتابع انحنت إلى المخلوق الصغير المزعج وحملته كطفل، فصمت وهذا ما أتاح لها الحديث بارتياح. فقالت وهي تشير إلى البيت بسبَّابتها النحيلة:
- إني أعيش لوحدي في هذا البيت منذ عشرين سنة، قضيتُ ثلاثين منها مع زوجي المرتحل.
ثم أضافت وكأنها تذكرت شيئاً:
- ليس لوحدي بل مع ابني الصغير هذا. وأشارت إلى الكلب.
كنت من فينة لأخرى أرنو إلى كلبها الذي أدهشني غرابة شكله ووجهه الشبيه بوجه البومة. وتحوَّل خوفه إلى فضول، فشرع يمدُّ رأسه باتجاهي يتشمم أطراف قميصي، ولاحظتْ هي ما يفعله فقالت بزهوٍ وحماس:
- لقد سجَّلْتُ لهذا الحبيب كلَّ أملاكي. فهو ضعيف لا يقوى على سرقة لقمته من الشارع.
وارتاحت عضلات وجهها بهذا القرار، فسألت مبتسمة:
- هل أنت يوناني؟ فأسندت ظهري إلى عارضة البيت ثم أجبتها بالنفي، فما كان منها إلاَّ أنْ سألت عن موطني، فأخبرتها.
تحوَّلت نظراتها إلى سهومٍ وتأمُّلٍ، فتكلمت وهي ما تزال تغوص أكثر في لج الشرود:
-أنت قريب إلى إسرائيل إذاً.
كان الحر يزداد كلما انتصف النهار مما جعل الكلب يتململ ويقاوم ساعدها الملفوف حوله، فتركته على الأرض وتابعت حديثها بأسف:
- إنَّ بلادكم حارة جداً، لا ينبت فيها شجر، بل هي صحراء.
ثم أردفت وهي تبتسم:
- هناك نكتة على العربي والجمل.
شعرتُ أن وقفتنا هذه ستتحوَّل إلى مهزلة وسخرية. فتردَّدتُ في سماعها، إلاَّ أنها لم تعطني الفرصة لأرفض، بل استمرت:
- عندما أهدى أمريكيٌّ سيارة لصديقه العربيِّ كانت عبارة عن سيارة شاحنة ضخمة. هل تعرف لماذا؟ لأن العربيَّ لا يستطع أن يركب لوحده دون جمله القريب إلى قلبه.
ثم ضحكت وقالت وكأنها تريد أن تصلح ما أفسدت:
- أنا لا أنظر بعنصرية للآخرين، بل أحب الجميع.
ثم نظرت إلى كلبها وقالت وكأنها تتدارك الخطأ الذي ارتكبت وهي تشير إليه:
- لقد نسيت أن أعرفك إلى (توبي)، فهو ولد مهذب ويحب الغرباء.
وأمرته أن يصافحني، فمدَّ الكلب لي يداً مليئة بالشعر الطويل ونبح عدة مرات كتعبير عن التحية. فحملته المرأة إلى فمها وقبَّلته ثم قالت بزهو:
- إنَّه كلب فطين لا مثيل له. تصوَّرْ.. هو يذهب إلى الحمَّام كالآدميِّين، وله برنامجه الخاص في النوم والسهر والنُّزهة.
- لا شكَّ أنَّكِ مدربة حذقة.
ثم سمعتُ بكاء طفلتي فاستأذنتُ ودخلت البيت. وبينما كنا منشغلين بترتيب الأثاث، كانت الظلمة تتساقط حثيثة، فاستسلمنا لنوم عميق. وما إن انتصف الليل حتى سمعنا نباح جوقة من الكلاب، أصواتاً غاضبة، حانقة. وعلى إثر ذلك استيقظ كلُّ مَن في البيت. ونظرت من النافذة لأستكشف الخبر، فردَّتني العتمة خائباً. كانت الأصوات أشبه بمعركة عنيفة. وعند الصباح عرفت أن الكلاب يقطنون في البيت المجاور ذي الأسلاك المعدنية لأنهم بدؤوا النباح عندما شاهدوني خارجاً من البيت. إلاَّ أن جدار الأسلاك كان يقف حائلاً فيما بيننا. وشاهدتُ الجارَّ يخرج عند العصر مع كلابه الأربعة وهم في حالة مستفزة يجرُّونه وهو في الخلف كأنه يقود عربة وقد مال بزاوية حادة ليوازن من نفسه. وتكررت ثورة الكلاب في الليل وتكرر معها إيقاظ كل مَن في البيت، ووضعتنا في حالة من الأرق طوال الليل، ولم أكن أدري إذا كان النباح هو نتيجة جوع أم ردٍّ على عابر سبيل في الظلمة.
في إحدى الصباحات، اتجهتُ إلى منْزله، فاستقبلتني موجة عنيفة من أصوات الكلاب الغاضبة. نقرتُ على الباب ففتحه وعلى جسمه سروال قصير، وشاهدت جسمه العاري مدقوق بالإبرة، كما يفعل الغجر، برسومات من الحيتان والثعابين الملونة، فلم يترك شبراً في جسمه إلاَّ ووضع عليه صورة لحيوان مفترس. أدهشني المنظر وارتبكت في أول الأمر، وبعد استجماع أفكاري، قلت:
- كلابك قد أقلقتنا في الأيام الماضية وجعلتنا في حالة أرق، فإذا أمكن أن تلجمهم في الليل.
وقبل أن يجيب مضغَ ما تبقَّى من التبغ ولاكه ثم بصق كل ما بفمه وقال ببرودة:
- لا أدري ما أنا فاعل. وأغلق الباب.
وسمعت في صباح اليوم التالي شجاراً ما بين العجوز وصاحب البيت، وهي تدَّعي أن أحد كلابه حاول افتراس كلبها الصغير وحذَّرته من الإهمال لأنها ستدَّعي للقضاء في المرة القادمة. واستمرت زياراتي لصاحب الكلاب، وفي كل مرة يخرج فيها يبصق ما بفمه من التبغ ثم يعطيني وعوداً كاذبة. إلاَّ أنَّ المسألة استفحلت وزاد من خوفي أن أطفالي الذين يلعبون قرب السياج أصبحوا معرضين لخطر الكلاب. وفي المرة الأخيرة هدَّدْتُه بأني سأخبر الشرطة وأضع حداً لتلك الضجة. فتبرَّم وقال بنَزقٍ وطبعاً بعد أن بصق ما بفمه من تبغ:
- افعلْ ما تشاء.. فأنا لا يهمني أحد.
في صباح اليوم التالي كان الباب يقرع بشدة من قبل شرطيَّين وجدتهما يقفان بثبات على بابي، وبدون أي مقدمات قال واحدٌ منهما بلهجة تناسب لباسه الحكومي:
- جارك يدَّعي بأنك سممت كلبه ليلة البارحة، فقد وجده ميتاً هذا الصباح ونحن نريد استجوابك بأمور القضية.
فسألت مستغرباً هذا الإدعاء الباطل:
- وهل قدَّم لكم أية أدلة بهذا الشأن؟
فردَّ الشرطي الذي ما زال صامتاً حتى تلك اللحظة:
- إنها مجرد تخمينات والمسألة تقع على عاتقنا في الإدانة أم لا. ثم أضاف:
- يقول مستر جيمس بأنك هددته ليلة البارحة.
- هددته بأن اشتكي للشرطة.
وسارت الإجراءات القانونية حيث استغرق استجوابي ساعة ونصف الساعة؛ تركَّزت على مسألة تسميم الكلب، كما أني جهلت الغاية المبتغاة من وراء تكرار الأسئلة حتى أعطاني هذا إحساس بأن الشرطيَّيْن جديدان في الخدمة.
عند الأصيل كنت أجلس مع طفلتي حينما شاهدتُ صاحب الكلاب خارجاً مع كلابه الثلاثة المتبقية. وعندما لمحني توقَّف وتفرَّسني بازدراء وفعلت الكلاب ذات الشيء. فأدركت في تلك اللحظة بأني متهمٌ ومُدانٌ لجريمة لم ارتكبها. وراودتني فكرة ترددتُ في تنفيذها هي أن أذهب إليه وأشرح له أو أدافع عن التهمة الجنونية التي وضعتني في دائرة الاتهام، إلاَّ أن أصوات النباح الغاضبة انتابت الكلاب، ولم أدر إذا كان هذا تعبيراً عن تمرد أم حزناً على فقيدهم. وكدت أنقم على الكلاب وصاحبها الذي يبصق التبغ بطريقة مقرفة لكني أدركت بأني غريب وضعيف كالفأر الذي تتقزز منه الناس وتلاحقه عصيُّ الحيِّ.
وبعد مضي ثلاثة أيام ضبطوا الجارة صاحبة الكلب الضئيل وهي ترمي قطع اللحم المسممة للكلاب. وهكذا أغلقت القضية وخرجتُ من ذمة التحقيق وهذا كان بمثابة براءة لي. إلاَّ أني انتظرت طويلاً ريثما يتقدم أحدٌ بالاعتذار عن تهم مغرضة وافتراءات كاذبة. لكن فشلت في الانتظار، وأيقنت في ذاتي بأني لست غريباً فقط بل ضعيف ومغلوب على أمري.
انتقلنا إلى الحي الجديد في غراهام، فهي مدينة صغيرة وهادئة إلى حدٍّ ما، خلافاً للمدن الأمريكية الكبيرة الصاخبة. أتيتُ إلى المدينة بغية العمل. وهذه ليست المرة الأولى في تغيير موقعي ولذلك كانت جميع المدن بالنسبة لي سيَّان طالما أن المكان لن يزيد في غربتي، فأنا غريب أينما حللت. يقع المنْزل ما بين بيتين أحدهما مسوَّر بسياج خشبي والآخر بأشرطة معدنية. كنت أسمع صوت عجوز تتكلم في البيت الأول دون أن يصدر جواباً. وظننت أنها تخاطب نفسها أو شخصاً أخرس يرد عليها بالإشارة. ولم ينكشف لي هذا اللغز حتى شاهدتها قبل الظهيرة تجرُّ كلبها الصغير وراءها. كان حجم الكلب أقل حجماً من الهرة، أبشع ما فيه صوته المزعج، وقبل أن ترفع يدها بالسلام، تأمَّلتني عن بعد. ربما كانت تستشير نفسها بأني أهلٌ للسلام أم لا. وعندما حاولت الاستمرار ترددتْ ثم استدارتْ متَّجهة ناحيتي. جفافها بدا من خلال عظامها البارزة وخاصة في أطرافها العارية المنبثقة من ثوبها الأحمر. كان الكلب يتمرَّد على لجامه يحاول الإفلات، ثم أنه أضاف لعصيانه نباحه المزعج. ربما لم يرق له شكلي، حتى أن نباحه تحوَّل إلى زعيق وصفير. وقبل أن تبادرني أمرَتِ الكلبَ أن يصمت، إلاَّ أنه لم يكترث بل زاد من ضجيجه، فقالت وصوتها يتغلب على نباحه:
- إنك النَّزيل الجديد هنا، أليس كذلك؟
فأجبتُ بلهجة ودِّيَّة مقتضبة بنعم.
وقبل أن تتابع انحنت إلى المخلوق الصغير المزعج وحملته كطفل، فصمت وهذا ما أتاح لها الحديث بارتياح. فقالت وهي تشير إلى البيت بسبَّابتها النحيلة:
- إني أعيش لوحدي في هذا البيت منذ عشرين سنة، قضيتُ ثلاثين منها مع زوجي المرتحل.
ثم أضافت وكأنها تذكرت شيئاً:
- ليس لوحدي بل مع ابني الصغير هذا. وأشارت إلى الكلب.
كنت من فينة لأخرى أرنو إلى كلبها الذي أدهشني غرابة شكله ووجهه الشبيه بوجه البومة. وتحوَّل خوفه إلى فضول، فشرع يمدُّ رأسه باتجاهي يتشمم أطراف قميصي، ولاحظتْ هي ما يفعله فقالت بزهوٍ وحماس:
- لقد سجَّلْتُ لهذا الحبيب كلَّ أملاكي. فهو ضعيف لا يقوى على سرقة لقمته من الشارع.
وارتاحت عضلات وجهها بهذا القرار، فسألت مبتسمة:
- هل أنت يوناني؟ فأسندت ظهري إلى عارضة البيت ثم أجبتها بالنفي، فما كان منها إلاَّ أنْ سألت عن موطني، فأخبرتها.
تحوَّلت نظراتها إلى سهومٍ وتأمُّلٍ، فتكلمت وهي ما تزال تغوص أكثر في لج الشرود:
-أنت قريب إلى إسرائيل إذاً.
كان الحر يزداد كلما انتصف النهار مما جعل الكلب يتململ ويقاوم ساعدها الملفوف حوله، فتركته على الأرض وتابعت حديثها بأسف:
- إنَّ بلادكم حارة جداً، لا ينبت فيها شجر، بل هي صحراء.
ثم أردفت وهي تبتسم:
- هناك نكتة على العربي والجمل.
شعرتُ أن وقفتنا هذه ستتحوَّل إلى مهزلة وسخرية. فتردَّدتُ في سماعها، إلاَّ أنها لم تعطني الفرصة لأرفض، بل استمرت:
- عندما أهدى أمريكيٌّ سيارة لصديقه العربيِّ كانت عبارة عن سيارة شاحنة ضخمة. هل تعرف لماذا؟ لأن العربيَّ لا يستطع أن يركب لوحده دون جمله القريب إلى قلبه.
ثم ضحكت وقالت وكأنها تريد أن تصلح ما أفسدت:
- أنا لا أنظر بعنصرية للآخرين، بل أحب الجميع.
ثم نظرت إلى كلبها وقالت وكأنها تتدارك الخطأ الذي ارتكبت وهي تشير إليه:
- لقد نسيت أن أعرفك إلى (توبي)، فهو ولد مهذب ويحب الغرباء.
وأمرته أن يصافحني، فمدَّ الكلب لي يداً مليئة بالشعر الطويل ونبح عدة مرات كتعبير عن التحية. فحملته المرأة إلى فمها وقبَّلته ثم قالت بزهو:
- إنَّه كلب فطين لا مثيل له. تصوَّرْ.. هو يذهب إلى الحمَّام كالآدميِّين، وله برنامجه الخاص في النوم والسهر والنُّزهة.
- لا شكَّ أنَّكِ مدربة حذقة.
ثم سمعتُ بكاء طفلتي فاستأذنتُ ودخلت البيت. وبينما كنا منشغلين بترتيب الأثاث، كانت الظلمة تتساقط حثيثة، فاستسلمنا لنوم عميق. وما إن انتصف الليل حتى سمعنا نباح جوقة من الكلاب، أصواتاً غاضبة، حانقة. وعلى إثر ذلك استيقظ كلُّ مَن في البيت. ونظرت من النافذة لأستكشف الخبر، فردَّتني العتمة خائباً. كانت الأصوات أشبه بمعركة عنيفة. وعند الصباح عرفت أن الكلاب يقطنون في البيت المجاور ذي الأسلاك المعدنية لأنهم بدؤوا النباح عندما شاهدوني خارجاً من البيت. إلاَّ أن جدار الأسلاك كان يقف حائلاً فيما بيننا. وشاهدتُ الجارَّ يخرج عند العصر مع كلابه الأربعة وهم في حالة مستفزة يجرُّونه وهو في الخلف كأنه يقود عربة وقد مال بزاوية حادة ليوازن من نفسه. وتكررت ثورة الكلاب في الليل وتكرر معها إيقاظ كل مَن في البيت، ووضعتنا في حالة من الأرق طوال الليل، ولم أكن أدري إذا كان النباح هو نتيجة جوع أم ردٍّ على عابر سبيل في الظلمة.
في إحدى الصباحات، اتجهتُ إلى منْزله، فاستقبلتني موجة عنيفة من أصوات الكلاب الغاضبة. نقرتُ على الباب ففتحه وعلى جسمه سروال قصير، وشاهدت جسمه العاري مدقوق بالإبرة، كما يفعل الغجر، برسومات من الحيتان والثعابين الملونة، فلم يترك شبراً في جسمه إلاَّ ووضع عليه صورة لحيوان مفترس. أدهشني المنظر وارتبكت في أول الأمر، وبعد استجماع أفكاري، قلت:
- كلابك قد أقلقتنا في الأيام الماضية وجعلتنا في حالة أرق، فإذا أمكن أن تلجمهم في الليل.
وقبل أن يجيب مضغَ ما تبقَّى من التبغ ولاكه ثم بصق كل ما بفمه وقال ببرودة:
- لا أدري ما أنا فاعل. وأغلق الباب.
وسمعت في صباح اليوم التالي شجاراً ما بين العجوز وصاحب البيت، وهي تدَّعي أن أحد كلابه حاول افتراس كلبها الصغير وحذَّرته من الإهمال لأنها ستدَّعي للقضاء في المرة القادمة. واستمرت زياراتي لصاحب الكلاب، وفي كل مرة يخرج فيها يبصق ما بفمه من التبغ ثم يعطيني وعوداً كاذبة. إلاَّ أنَّ المسألة استفحلت وزاد من خوفي أن أطفالي الذين يلعبون قرب السياج أصبحوا معرضين لخطر الكلاب. وفي المرة الأخيرة هدَّدْتُه بأني سأخبر الشرطة وأضع حداً لتلك الضجة. فتبرَّم وقال بنَزقٍ وطبعاً بعد أن بصق ما بفمه من تبغ:
- افعلْ ما تشاء.. فأنا لا يهمني أحد.
في صباح اليوم التالي كان الباب يقرع بشدة من قبل شرطيَّين وجدتهما يقفان بثبات على بابي، وبدون أي مقدمات قال واحدٌ منهما بلهجة تناسب لباسه الحكومي:
- جارك يدَّعي بأنك سممت كلبه ليلة البارحة، فقد وجده ميتاً هذا الصباح ونحن نريد استجوابك بأمور القضية.
فسألت مستغرباً هذا الإدعاء الباطل:
- وهل قدَّم لكم أية أدلة بهذا الشأن؟
فردَّ الشرطي الذي ما زال صامتاً حتى تلك اللحظة:
- إنها مجرد تخمينات والمسألة تقع على عاتقنا في الإدانة أم لا. ثم أضاف:
- يقول مستر جيمس بأنك هددته ليلة البارحة.
- هددته بأن اشتكي للشرطة.
وسارت الإجراءات القانونية حيث استغرق استجوابي ساعة ونصف الساعة؛ تركَّزت على مسألة تسميم الكلب، كما أني جهلت الغاية المبتغاة من وراء تكرار الأسئلة حتى أعطاني هذا إحساس بأن الشرطيَّيْن جديدان في الخدمة.
عند الأصيل كنت أجلس مع طفلتي حينما شاهدتُ صاحب الكلاب خارجاً مع كلابه الثلاثة المتبقية. وعندما لمحني توقَّف وتفرَّسني بازدراء وفعلت الكلاب ذات الشيء. فأدركت في تلك اللحظة بأني متهمٌ ومُدانٌ لجريمة لم ارتكبها. وراودتني فكرة ترددتُ في تنفيذها هي أن أذهب إليه وأشرح له أو أدافع عن التهمة الجنونية التي وضعتني في دائرة الاتهام، إلاَّ أن أصوات النباح الغاضبة انتابت الكلاب، ولم أدر إذا كان هذا تعبيراً عن تمرد أم حزناً على فقيدهم. وكدت أنقم على الكلاب وصاحبها الذي يبصق التبغ بطريقة مقرفة لكني أدركت بأني غريب وضعيف كالفأر الذي تتقزز منه الناس وتلاحقه عصيُّ الحيِّ.
وبعد مضي ثلاثة أيام ضبطوا الجارة صاحبة الكلب الضئيل وهي ترمي قطع اللحم المسممة للكلاب. وهكذا أغلقت القضية وخرجتُ من ذمة التحقيق وهذا كان بمثابة براءة لي. إلاَّ أني انتظرت طويلاً ريثما يتقدم أحدٌ بالاعتذار عن تهم مغرضة وافتراءات كاذبة. لكن فشلت في الانتظار، وأيقنت في ذاتي بأني لست غريباً فقط بل ضعيف ومغلوب على أمري.
هناك تعليق واحد:
this story is good one and have a lot of meaning
I am glod to read it
sam
إرسال تعليق