الأحد، سبتمبر 27


قصة قصيرة الرحيل

نرجمة : خليل الشيخة


جيمس بلدوين
( (James Baldwin : كاتب أمريكي أسود، ولد عام 1924، ومارس كتابة ألوان أدبية مختلفة من المقالة والشعر والمسرحية والقصة. عرفت كتاباته بقوة الأسلوب ونقائه، كما تميز بأمانته وصدقه الأدبي. أهم كتاباته: (مذكرات ابن البلد) والتي كانت مفتاحاً لشهرته في الستينات من القرن العشرين، حيث كرس فيه خبرته ككاتب قصة. ولد الكاتب في هارليم، ولاية في نيويورك، وكانت أمه (إيما جونس) التي تزوجت بدورها من قسيس يدعى (دافيد بلدوين)، وقد تبناه كابن، وحمل فيما بعد اسمه. كانت عائلته فقيرة حيث عانى الصبي من المعاملة السيئة لزوج أمه ديفيد. وبعد أن تخرج من الثانوية التحق باتحاد الكنائس التابعة للسود وأصبح قسيساً، عندما أصبح في سن السابعة عشرة ترك الفتى الكنيسة والدين بشكل عام، ثم انتقل إلى قرية (كرين وش) التي كانت عبارة عن تجمع للفنانين والكتاب، وبدأ في تلك الفترة يكتب قصصاً قصيرة جمعت فيما بعد تحت اسم (ملاحظات ابن البلد) عام 1955، وهي بالطبع غير (ابن البلد) للكاتب ريتشارد رايت والذي تحول إلى فيلم فيما بعد. في عام 1948 غادر الولايات المتحدة متوجهاً إلى باريس بعد الشعور العميق بالعنصرية الفاضحة، وقابل هناك الكاتب ريتشارد رايت (اليساري) حيث كتب روايته الأولى (أحكيها على الجبل) والتي تتكلم عن ولد يمر بمرحلة التغير الديني من خلال صلوات طويلة يستحضر من خلالها الماضي. ثم كتب روايته (غرفة جيتاني) عام 1956، وبعد عام رجع إلى أمريكا عندما كانت حركة السود من الحقوق المدنية قائمة، وقد تركت أثراً في كتاباته فدفعته لينشر كتابه (لا أحد يعرف اسمي) عام 1961، ثم أتبعها بكتاب (الحريق في المرة القادمة) الذي درس فيه حركة (الأمة الإسلامية) بزعامة الياس محمد ومالكم أكس مما جعله يتصدر النضال في حركة الحقوق المدنية عند السود. ثم نشر رواية (وطن آخر) عام 1962 التي يشرح فيها العلاقة بين مجموعة من الشباب السود والبيض، وفي عام 1968نشر رواية (أخبرني متى غادر القطار) وتدور حول صبي يعشق التمثيل نشأ في حي هارلم. ثم نشر روايته (لو يستطيع شارع بيل التكلم) عام 1974. وآخر رواية له كانت (حول رأسي فقط) عام 1979. وكتب عدة مسرحيات وروايات أخرى نشرت في أوقات متفرقة، وتمثل قصة الرحيل وضع العائلة السوداء في الولايات المتحدة في مطلع القرن الماضي والفرقة التي أصابتها نتيجة اضطهاد البيض والعنصرية، فهي ترسم لنا لوحة إنسانية مفعمة بالصور الأدبية الخلابة.

____________________________________________

الرَحِيـْــل 
جيمس بلدوين

لَمْ يخالج فلورنس الشك بأن أمها أكبر النساء سناً في العالم، فقد كانت تروي لها ولأخيها جبرايل كثيراً عندما كانا طفلين عن عمرها المديد الذي لا يحصى بالسنوات، والذي تمتد جذوره إلى زمن العبودية الغابر. ولدت في مزرعة إحدى الولايات وترعرعت فيها، وعملت في الزراعة لكونها تتميز ببنية قوية. ومع مرور الأيام تزوجت وأنجبت أطفالاً انتزع معظمهم منها، أحدهم اختطفه المرض، وبيع اثنان في المزاد العلني، والأخير لم تقدر له السموات أن تحتضنه برعايتها وتربيتها، فقد نشأ في بيت السيد وتربى فيه. وعندما كانت في ريعان شبابها – في الثلاثين على الأغلب – اختطفت يد القدر زوجها فوهبها السيد لزوج آخر، في تلك الفترة اقتحمت جيوش من الشمال تلك المنطقة لينـزعوا نيـر العبودية عن رقاب العبيد الذين صلوا كثيراً من أجل الحرية، وها قد لبي النداء أخيراً، واستجابت السماء لدعواتهم.