السبت، أبريل 19

الشاعر مظفر النواب - بقلم : خليل الشيخة

الأحد,آذار 23, 2008
الشاعر مظفر النواب وقصيدة التحريض


بقلم : خليل الشيخة
أيها الجند:
بوصلة لا تشير إلى القدس . . مشبوهة
حطموها على أقحاف أصحابها
مظفر
من خلال زيارتي إلى سوريا في شهر آب قابلت وبالصدفة الشاعر العراقي مظفر النواب في مدينة خالد بن الوليد(حمص) في إحدى محطات الباصات ، كنت يومها ذاهبا إلى حلب وكان هو متجها إلى دمشق، لم أتأكد من صورته لأني احتفظت بشكله منذ عام السبعينات ولغيابي عن الوطن حوالي 12 سنة.، ولذلك استعنت بصديق كان يرافقني فأجاب بأن ذلك الشخص هو مظفر النواب. تقدمت منه وسلمت وكان بشوشا متواضعا، ومن ثم سألته عن كيفية إجراء مقابلة صحفية معه فرد علي بأنه يتواجد في الغالب في احد المقاهي في دمشق وأعطاني عنوان المقهى. ذهبت بعد أسبوع إلى المقهى فرد النادل بأن الأستاذ مظفر سافر إلى بيروت. وقفلت راجعا إلى حمص بعد أن تركت له رسالة بأني أتيت لمقابلته. وغادرت بعد أيام سوريا راجعا إلى أمريكا. وهكذا لم يتسنى لي لقاء شاعر عربي كان عنوانا للثورة والقومية العربية.

كتاب في الرقيق- ماندي نزير - بقلم : خليل الشيخة


السبت,نيسان 19, 2008
قراءة في كتاب الرقيق - منيدي نزير - بقلم خليل الشيخة

قراءة خليل الشيخة

كتاب الرقيق هو رواية ذاتية في العبودية وبطلته ميندي نزير وصاحب صياغته الصحفي البريطاني المعروف دامين لويس حيث يتألف الكتاب من ثلاثمئة وخمسين صفحة روت السودانية ميندي رحلتها من العبودية الحالكة في الظلام إلى الحرية المليئة بالنور. وهذا الكتاب بالطبع، ليس موجهاً للقارئ العربي بل للغربي أو الأمريكي بالتحديد لأنه مؤلف باللغة الانكليزية وبالطبع فقد ترجم لبعض اللغات الاوروبية لِمَ احدثه من صدى بين النخب المثقفة ولأنه يأتي بمادة جديدة على القارئ وهو يقول على خلفيته " أن الرق الذي ظننتم أنه زال منذ قرن ونصف من الزمن مازال قائما حتى القرن العشرين" يمارسه العرب والمسلمين. هو رسالة بالغة الأهمية والخطورة بإستنتاج مبطن يقول أن هذه المجموعات البشرية هي غير أخلاقية وغير انسانية. ويحاول هذا الكتاب مثل غيره أن يظهر الفوارق في القيم بين المجتمع الاوروبي والمجتمعات العربية الاسلامية من إعطاء وجبة ساخنة من الادهاش والغرابة والصدمة لأنه طبعاً يتكلم عن قيم غربية أصبحت عادية عندهم مثل حقوق الانسان وحقوق الطفل والحرية الفردية. والكاتب يروم من خلال رواية قصة ميندي أن يظهر كل هذا التباين الغربي – الاسلامي والعمل على وضع وصياغة استنتاجات شتى لدى القارئ الغربي أو الامريكي، وهذا من خلال وقائع ترويها المعذبة ميندي.
تروي ميندي بأنها ولدت في جنوب السودان في منطقة النوبة عام 1984 وتلك المنطقة تتألف من قبائل افريقية سودانية حيث يتوفر فيها مجموعات من الصيادين والمزارعين ويمارس كما تروي الدين الاسلامي والوثنية بجانب بعضهما البعض دون كره أو تنافس. ودليل هذا التعايش كان قصة حصلت في النوبة وهي أن المنطقة واجهت جفاف هدد فيه حياة البشر والبهائم فذهب السكان إلى كاهن وثني وطلبوا منه أن يدعوا الآلهة كي تشفق على الناس وتنزل لهم المطر. وفعل الكاهن وصلى الناس وسمعت الآلهة النداء فأنزلت المطر. وهنا تسأل ميندي الطفلة أبوها كيف باستطاعة هذا الكاهن الوثني أن ينزل المطر فيجيب إجابة ذكية وافية وهي أن المطر نزل بأمر من الله والكاهن الوثني كان وسيلة.
في عام 1994 عندما كان عمرها 12 سنة هاجم مجموعة من "المجاهدين" العرب – ولا أدري لماذا تستعمل كلمة مجاهدين هنا - مخيم القبيلة وعاثوا فسادا وقتلا وحرقاً في البيوت والبشر بغية أسترقاق نساء وأطفال القبيلة. وكانت هي من نصيب رجل خمسيني أركبها علي الحصان وطار بها . وهنا تروي المأساة والعذابات في نداء ابوها لها في الغابة بحثأ عنها وهي تسمع ولا تستطيع الإجابة لأن الرجل يهددها ، ثم تشاهد القتلى والدم أمامها والحرائق التي أكلت معظم البيوت . وفي الطريق يغتصبها العربي أو البدوي وتقول كانت ثيابه ممزقة ورائحته نتنة ولحيته كثة قذرة. ثم تَأخد إلى الخرطوم وتباع هناك لعائلة سودانية ثرية لتعمل في خدمتها " هكذا استقبلت الحياة كطفلة تحت نير العبودية- ص 5). كان أسمها يعني في لغة النوبة الريم أو الغزالة . وتعود في ذاكرتها لتؤكد على مسألة ختان البنات وكم كانت مؤلمة إذ أنها تشير إلى هذه العادة وكأنها جزء من الشريعة إلاسلامية – وهذه المسألة تثير أيضاً مجموعات كبيرة من الغربيين المطالبين بحقوق الانسان على إيقاف الممارسات والطقوس الخطرة ضد المرأة المصرية والسودانية - .
ومن خلال حياتها الجديدة في بيت رباب السيدة حاولت عدة مرات أن تهرب وفشلت ، وتروي أيضا ضرب رباب لها بدون سبب وهذا الضرب المبرح كان دائم في بيت سيدتها العربية . وبعد ست سنوات من العبودية والظلم تقرر رباب السيدة إرسالها لأختها في لندن لتخدم هناك عند الأسرة التي كانت تقيم في بريطانية بصفة دبلوماسية حيث كان الزوج يعمل في السفارة السودانية.
وتقول بأنها شعرت في البداية بتحسن في المعاملة لكن بعد فترة ليست طويلة عاد الظلم لها ورغبت مرة كما تقول الموت على الحياة وهي تستعبد في لندن . ثم حاولت الهرب مرات عديدة وفشلت . وفي إحدى هذه المرات تعرفت على أحد السودانين الذين هربوها إلى مكان آمن ومن ثم حصلوا لها على اللجوء السياسي في بريطانية وهنا اتصلوا بالصحفي الانكليزي دامين لويس ليكتب قصتها وتكون دليلاًً يقدم إلى الهجرة وتثاب من خلاله الجنسية البريطانية .
ينتهي الكتاب بحرية ميندي وبالاتصال بأهلها وتطمينهم بأنها مازالت على قيد الحياة وقد اكتسبت حريتها المفقودة. وهنا أريد أن اتسآءل ، وبالطبع قد أكون مخطئاً ، لماذا لاتكون قصة ميندي كلها مفتعلة كي تحصل على اللجوء السياسي في بريطانية والاقامة هناك!
لكن من وجهة أخرى تواردت في الصحافة والمحطات التلفزيونية أخبار حول الرقيق في السودان وهي بمثابة شجب للعرب السودانين بأنهم مؤيدين للرق حيث تناقلت الصحف بأن هناك 14 الف انسان يعيش في العبودية في السودان وكلهم من الجنوب السوداني ، ولذلك عندما التقى جان قرنق – وهذا قبل موته - بالرئيس السوداني عمر البشير طلب منه أن يحرر كل هؤلاء المستعبدين ويطلق حريتهم.
القصة ليست فريدة بل هناك كتب مشابهة تبتغي الإدهاش والصدمة من خلال المرويات وربما سنتناول كتاب آخر أحدث ذات الصدى أو أكثر في المرة القادمة.

من أجل قراءة الكتاب :
http://www.amazon.com/gp/reader/1586483188/ref=sib_dp_pop_fc?ie=UTF8&p=S001#reader-link

من أجل مشاهدة المقابلة :
http://www.youtube.com/watch?v=HD7dxp_h7B4

الخميس، فبراير 21

السودان وإنعطافاته


بقلم : عبد السميع عبد القادر


اندلعت ازمة دارفور في السودان في نيسان 2003، حيث حصدت من الارواح 50 الف انسان، وشردت اكثر من مليون آخرين. وكمعدل فإن هناك عشرة آلاف شخص يموتون شهريا، في مخيمات اللاجئين بسبب المرض والعنف
وكأن عدم الاستقرار أصبح الحالة الطبيعية في السودان، الذي تمزقه الحروب الاهلية الاثنية منذ استقلاله عام 1956. ومن المعروف أن السودان هي اكبر دول في القارة الافريقية، اذ تعادل مساحتها مليونين ونصف المليون كلم2. ويبلغ عدد سكانها 35 مليون نسمة، حيث تتشكل فيها الاغلبية الساحقة 70%، من عرب مسلمون والباقي من ديانات واثنيات اخرى .
يقع اقليم دارفور غربي السودان، ويتألف من ثلاث ولايات يسكنها سبعة ملايين نسمة، وفق احصاء اجري عام 93. وخلافا للميزان الديمغرافي في السودان، تبلغ نسبة الافارقة بين سكان دارفور 60% تعتاش من الزراعة، فيما تبلغ نسبة العرب 40% تعتمد على الرعي. وتعود جذور الازمة للثمانينات، حين اندلع صراع مسلح بين قبائل الفور الافريقية المسيحية في الجنوب والقبائل العربية المسلمة. الحرب الاهلية بدأت عام 1982، ودخلت تصعيدا خطيرا في عام 1989 مع انقلاب البشير والترابي وفرضهما نظام الشريعة الاسلامية على السودان ، الامر الذي ادى لتمرد الجنوب برئاسة جون قرنق، والمطالبة بالحكم الذاتي. ولم تهدأ هذه الحرب حتى توسع التمرد ووصل الى اقليم دارفور.
التطور المهم جاء في اعلان "جبهة تحرير دارفور" و"جيش تحرير دارفور" في بيان لهما في 14/3/2003 عن تغيير اسميهما ل"حركة تحرير السودان" و"جيش تحرير السودان". في البيان اوضحت الحركتان ان هدفهما العمل مع التنظيمات الاخرى على بناء سودان ديمقراطي موحد على قواعد من العدالة واعادة توزيع الثروة، الحرية الثقافية والسياسية والرخاء المادي والمعنوي لكل السودانيين
وتزعم التمرد ميليشيات الجنجويد. والتي يرجح اصل تسميتها إلى "جن على ظهر جواد"، قامت بسرقة وتدمير المنازل والمحاصيل والمواشي، حرق القرى وتشريد السكان.
انتقلت قضية دارفور من يد الحكومة الى مجلس الامن. وقد سن هذا الاخير قرارين رقم 1556 و1564، الاول ادان السودان وامهله 30 يوما لحل الازمة والسيطرة على الوضع الانساني المتردي، وتقديم المسؤولين عن الكارثة الانسانية للعدالة، ونزع سلاح ميليشيا الجنجويد. بعد نهاية المهلة في 30/8 الاخير، صدر القرار الثاني الذي يكرر عمليا نفس مطلب القرار الاول
تدخلت في الازمة دول عديدة، كل حسب علاقتها بالحكومة السودانية ومصالحها في البلاد، بدءا بفرنسا التي لها مصالح حيوية في السودان، ثم روسيا وحتى مصر والصين. وقد حاولت هذه الحؤول دون اتخاذ مجلس الامن قرارا بفرض عقوبات على السودان.
اما الولايات المتحدة فتدخلت لصالح المتمردين السود في الجنوب، وطلبت فرض نظام عقوبات على حكومة الخرطوم. ويرى بعض المحللين ان دعم الرئيس بوش للافارقة في السودان ضد العرب، يأتي لكسب السود في حملته الانتخابية الوشيكة. ولا شك ان الانباء عن احتياطات النفط الضخمة في السودان ومعدن اليورانيوم النادر والعناصر المعدنية الاخرى، اسالت لعاب الغرب، علما ان امريكا كانت السباقة في التوقيع على عقود النفط في جنوب السودان. وأصبح كما هو معروف أن جنوب السودان ودارفور مسمار جحا للامم الاخرى حتى تأتي وتعلق 6في مسمارها ماتريد.

الثلاثاء، فبراير 19

زيارة إلى طرابلس


كتبها : علي ديب
زيارتي إلى الوطن هي بمثابة نقاهة مؤقتة لي, فهي تبعدني عن ازدحام مشاغل الحياة وكثرتها، فتمثل الحضن الدافيء والأم الحنون. وعادة ماازور قريتي (مرياطة) ، التي تقع على تخوم جبل الضنية ومدينة طرابلس، مع أسرتي . فيجد أطفالي هناك من يتكلم لغتهم الأم ويلعب معهم. هناك يستعيد الانسان نفسه مرة أخرى بعد الضياع التام في العمل وربما يشعر المرء بوجوده لما تمثل له الأرض التي ولد فيها من معاني والناس الطيبون الذين يتعامل معهم. فرغم أن عدد سكان القرية يتعدى السبعة الالاف، الا أنها مازالت محافظة على طيبة أهلها البسطاء وكرمهم للضيف.
كنت أخرج في الصباح الباكر أحيانا أمشي بقرب ينابيع القرية التي بلغت ثلاثة وقد امتلأت الديار خضرة ساحرة ، وتلونت الطبيعة بحلة عروس بحر فاتنة. في تلك الأرض التي ينبعث من تربتها اريج مميز ، هو خليط مابين رائحة التربة وعطر النباتات. كنت اهيم بين الشجيرات الباسقة وقد هاجمني شعور بأني فقدت كل أعباء الجسد واضحيت روح سابحة لاقرار لها. ومابين هذا الصمت يعيش الانسان حالة هي خليط مابين الحلم والواقع ، حيث تضمحل الحواس وتنوس إلى اللاشيء. وحتى عند انبعاث أصوات الطيور وزقزقة العصافير، تظل تلك الأصوات جزء من لوحة تكعبية تضيع بها النهايات وتتلاشى.
وماان تعود إلى اابيت حتى ترى المؤكولات العربية تملؤ السفرة. فتحار في امرك من أين تبدأ. فهناك الجبنة البلدية والزيتون بأنواعه التي تشتهر به القرية والخبز الطازج الذي مازال يرتفع منه بخار الفرن.
وفي النهاية ، عندما يحين وقت العودة تتشابك الأيدي ، وتتصارع في الداخل ذوات ، وأخيرا تنتصر تلك الذوات التي تميل إلى العمل والعودة إلى امريكا. فتنحزم الامتعة وتنطلق حناجر الوداع عالية.

الأحد، فبراير 17

الكلاب

الكلاب

انتقلنا إلى الحي الجديد في غراهام، فهي مدينة صغيرة وهادئة إلى حدٍّ ما، خلافاً للمدن الأمريكية الكبيرة الصاخبة. أتيتُ إلى المدينة بغية العمل. وهذه ليست المرة الأولى في تغيير موقعي ولذلك كانت جميع المدن بالنسبة لي سيَّان طالما أن المكان لن يزيد في غربتي، فأنا غريب أينما حللت. يقع المنْزل ما بين بيتين أحدهما مسوَّر بسياج خشبي والآخر بأشرطة معدنية. كنت أسمع صوت عجوز تتكلم في البيت الأول دون أن يصدر جواباً. وظننت أنها تخاطب نفسها أو شخصاً أخرس يرد عليها بالإشارة. ولم ينكشف لي هذا اللغز حتى شاهدتها قبل الظهيرة تجرُّ كلبها الصغير وراءها. كان حجم الكلب أقل حجماً من الهرة، أبشع ما فيه صوته المزعج، وقبل أن ترفع يدها بالسلام، تأمَّلتني عن بعد. ربما كانت تستشير نفسها بأني أهلٌ للسلام أم لا. وعندما حاولت الاستمرار ترددتْ ثم استدارتْ متَّجهة ناحيتي. جفافها بدا من خلال عظامها البارزة وخاصة في أطرافها العارية المنبثقة من ثوبها الأحمر. كان الكلب يتمرَّد على لجامه يحاول الإفلات، ثم أنه أضاف لعصيانه نباحه المزعج. ربما لم يرق له شكلي، حتى أن نباحه تحوَّل إلى زعيق وصفير. وقبل أن تبادرني أمرَتِ الكلبَ أن يصمت، إلاَّ أنه لم يكترث بل زاد من ضجيجه، فقالت وصوتها يتغلب على نباحه:
- إنك النَّزيل الجديد هنا، أليس كذلك؟
فأجبتُ بلهجة ودِّيَّة مقتضبة بنعم.
وقبل أن تتابع انحنت إلى المخلوق الصغير المزعج وحملته كطفل، فصمت وهذا ما أتاح لها الحديث بارتياح. فقالت وهي تشير إلى البيت بسبَّابتها النحيلة:
- إني أعيش لوحدي في هذا البيت منذ عشرين سنة، قضيتُ ثلاثين منها مع زوجي المرتحل.
ثم أضافت وكأنها تذكرت شيئاً:
- ليس لوحدي بل مع ابني الصغير هذا. وأشارت إلى الكلب.
كنت من فينة لأخرى أرنو إلى كلبها الذي أدهشني غرابة شكله ووجهه الشبيه بوجه البومة. وتحوَّل خوفه إلى فضول، فشرع يمدُّ رأسه باتجاهي يتشمم أطراف قميصي، ولاحظتْ هي ما يفعله فقالت بزهوٍ وحماس:
- لقد سجَّلْتُ لهذا الحبيب كلَّ أملاكي. فهو ضعيف لا يقوى على سرقة لقمته من الشارع.
وارتاحت عضلات وجهها بهذا القرار، فسألت مبتسمة:
- هل أنت يوناني؟ فأسندت ظهري إلى عارضة البيت ثم أجبتها بالنفي، فما كان منها إلاَّ أنْ سألت عن موطني، فأخبرتها.
تحوَّلت نظراتها إلى سهومٍ وتأمُّلٍ، فتكلمت وهي ما تزال تغوص أكثر في لج الشرود:
-أنت قريب إلى إسرائيل إذاً.
كان الحر يزداد كلما انتصف النهار مما جعل الكلب يتململ ويقاوم ساعدها الملفوف حوله، فتركته على الأرض وتابعت حديثها بأسف:
- إنَّ بلادكم حارة جداً، لا ينبت فيها شجر، بل هي صحراء.
ثم أردفت وهي تبتسم:
- هناك نكتة على العربي والجمل.
شعرتُ أن وقفتنا هذه ستتحوَّل إلى مهزلة وسخرية. فتردَّدتُ في سماعها، إلاَّ أنها لم تعطني الفرصة لأرفض، بل استمرت:
- عندما أهدى أمريكيٌّ سيارة لصديقه العربيِّ كانت عبارة عن سيارة شاحنة ضخمة. هل تعرف لماذا؟ لأن العربيَّ لا يستطع أن يركب لوحده دون جمله القريب إلى قلبه.
ثم ضحكت وقالت وكأنها تريد أن تصلح ما أفسدت:
- أنا لا أنظر بعنصرية للآخرين، بل أحب الجميع.
ثم نظرت إلى كلبها وقالت وكأنها تتدارك الخطأ الذي ارتكبت وهي تشير إليه:
- لقد نسيت أن أعرفك إلى (توبي)، فهو ولد مهذب ويحب الغرباء.
وأمرته أن يصافحني، فمدَّ الكلب لي يداً مليئة بالشعر الطويل ونبح عدة مرات كتعبير عن التحية. فحملته المرأة إلى فمها وقبَّلته ثم قالت بزهو:
- إنَّه كلب فطين لا مثيل له. تصوَّرْ.. هو يذهب إلى الحمَّام كالآدميِّين، وله برنامجه الخاص في النوم والسهر والنُّزهة.
- لا شكَّ أنَّكِ مدربة حذقة.
ثم سمعتُ بكاء طفلتي فاستأذنتُ ودخلت البيت. وبينما كنا منشغلين بترتيب الأثاث، كانت الظلمة تتساقط حثيثة، فاستسلمنا لنوم عميق. وما إن انتصف الليل حتى سمعنا نباح جوقة من الكلاب، أصواتاً غاضبة، حانقة. وعلى إثر ذلك استيقظ كلُّ مَن في البيت. ونظرت من النافذة لأستكشف الخبر، فردَّتني العتمة خائباً. كانت الأصوات أشبه بمعركة عنيفة. وعند الصباح عرفت أن الكلاب يقطنون في البيت المجاور ذي الأسلاك المعدنية لأنهم بدؤوا النباح عندما شاهدوني خارجاً من البيت. إلاَّ أن جدار الأسلاك كان يقف حائلاً فيما بيننا. وشاهدتُ الجارَّ يخرج عند العصر مع كلابه الأربعة وهم في حالة مستفزة يجرُّونه وهو في الخلف كأنه يقود عربة وقد مال بزاوية حادة ليوازن من نفسه. وتكررت ثورة الكلاب في الليل وتكرر معها إيقاظ كل مَن في البيت، ووضعتنا في حالة من الأرق طوال الليل، ولم أكن أدري إذا كان النباح هو نتيجة جوع أم ردٍّ على عابر سبيل في الظلمة.
في إحدى الصباحات، اتجهتُ إلى منْزله، فاستقبلتني موجة عنيفة من أصوات الكلاب الغاضبة. نقرتُ على الباب ففتحه وعلى جسمه سروال قصير، وشاهدت جسمه العاري مدقوق بالإبرة، كما يفعل الغجر، برسومات من الحيتان والثعابين الملونة، فلم يترك شبراً في جسمه إلاَّ ووضع عليه صورة لحيوان مفترس. أدهشني المنظر وارتبكت في أول الأمر، وبعد استجماع أفكاري، قلت:
- كلابك قد أقلقتنا في الأيام الماضية وجعلتنا في حالة أرق، فإذا أمكن أن تلجمهم في الليل.
وقبل أن يجيب مضغَ ما تبقَّى من التبغ ولاكه ثم بصق كل ما بفمه وقال ببرودة:
- لا أدري ما أنا فاعل. وأغلق الباب.
وسمعت في صباح اليوم التالي شجاراً ما بين العجوز وصاحب البيت، وهي تدَّعي أن أحد كلابه حاول افتراس كلبها الصغير وحذَّرته من الإهمال لأنها ستدَّعي للقضاء في المرة القادمة. واستمرت زياراتي لصاحب الكلاب، وفي كل مرة يخرج فيها يبصق ما بفمه من التبغ ثم يعطيني وعوداً كاذبة. إلاَّ أنَّ المسألة استفحلت وزاد من خوفي أن أطفالي الذين يلعبون قرب السياج أصبحوا معرضين لخطر الكلاب. وفي المرة الأخيرة هدَّدْتُه بأني سأخبر الشرطة وأضع حداً لتلك الضجة. فتبرَّم وقال بنَزقٍ وطبعاً بعد أن بصق ما بفمه من تبغ:
- افعلْ ما تشاء.. فأنا لا يهمني أحد.
في صباح اليوم التالي كان الباب يقرع بشدة من قبل شرطيَّين وجدتهما يقفان بثبات على بابي، وبدون أي مقدمات قال واحدٌ منهما بلهجة تناسب لباسه الحكومي:
- جارك يدَّعي بأنك سممت كلبه ليلة البارحة، فقد وجده ميتاً هذا الصباح ونحن نريد استجوابك بأمور القضية.
فسألت مستغرباً هذا الإدعاء الباطل:
- وهل قدَّم لكم أية أدلة بهذا الشأن؟
فردَّ الشرطي الذي ما زال صامتاً حتى تلك اللحظة:
- إنها مجرد تخمينات والمسألة تقع على عاتقنا في الإدانة أم لا. ثم أضاف:
- يقول مستر جيمس بأنك هددته ليلة البارحة.
- هددته بأن اشتكي للشرطة.
وسارت الإجراءات القانونية حيث استغرق استجوابي ساعة ونصف الساعة؛ تركَّزت على مسألة تسميم الكلب، كما أني جهلت الغاية المبتغاة من وراء تكرار الأسئلة حتى أعطاني هذا إحساس بأن الشرطيَّيْن جديدان في الخدمة.
عند الأصيل كنت أجلس مع طفلتي حينما شاهدتُ صاحب الكلاب خارجاً مع كلابه الثلاثة المتبقية. وعندما لمحني توقَّف وتفرَّسني بازدراء وفعلت الكلاب ذات الشيء. فأدركت في تلك اللحظة بأني متهمٌ ومُدانٌ لجريمة لم ارتكبها. وراودتني فكرة ترددتُ في تنفيذها هي أن أذهب إليه وأشرح له أو أدافع عن التهمة الجنونية التي وضعتني في دائرة الاتهام، إلاَّ أن أصوات النباح الغاضبة انتابت الكلاب، ولم أدر إذا كان هذا تعبيراً عن تمرد أم حزناً على فقيدهم. وكدت أنقم على الكلاب وصاحبها الذي يبصق التبغ بطريقة مقرفة لكني أدركت بأني غريب وضعيف كالفأر الذي تتقزز منه الناس وتلاحقه عصيُّ الحيِّ.
وبعد مضي ثلاثة أيام ضبطوا الجارة صاحبة الكلب الضئيل وهي ترمي قطع اللحم المسممة للكلاب. وهكذا أغلقت القضية وخرجتُ من ذمة التحقيق وهذا كان بمثابة براءة لي. إلاَّ أني انتظرت طويلاً ريثما يتقدم أحدٌ بالاعتذار عن تهم مغرضة وافتراءات كاذبة. لكن فشلت في الانتظار، وأيقنت في ذاتي بأني لست غريباً فقط بل ضعيف ومغلوب على أمري.