الثلاثاء، فبراير 19

زيارة إلى طرابلس


كتبها : علي ديب
زيارتي إلى الوطن هي بمثابة نقاهة مؤقتة لي, فهي تبعدني عن ازدحام مشاغل الحياة وكثرتها، فتمثل الحضن الدافيء والأم الحنون. وعادة ماازور قريتي (مرياطة) ، التي تقع على تخوم جبل الضنية ومدينة طرابلس، مع أسرتي . فيجد أطفالي هناك من يتكلم لغتهم الأم ويلعب معهم. هناك يستعيد الانسان نفسه مرة أخرى بعد الضياع التام في العمل وربما يشعر المرء بوجوده لما تمثل له الأرض التي ولد فيها من معاني والناس الطيبون الذين يتعامل معهم. فرغم أن عدد سكان القرية يتعدى السبعة الالاف، الا أنها مازالت محافظة على طيبة أهلها البسطاء وكرمهم للضيف.
كنت أخرج في الصباح الباكر أحيانا أمشي بقرب ينابيع القرية التي بلغت ثلاثة وقد امتلأت الديار خضرة ساحرة ، وتلونت الطبيعة بحلة عروس بحر فاتنة. في تلك الأرض التي ينبعث من تربتها اريج مميز ، هو خليط مابين رائحة التربة وعطر النباتات. كنت اهيم بين الشجيرات الباسقة وقد هاجمني شعور بأني فقدت كل أعباء الجسد واضحيت روح سابحة لاقرار لها. ومابين هذا الصمت يعيش الانسان حالة هي خليط مابين الحلم والواقع ، حيث تضمحل الحواس وتنوس إلى اللاشيء. وحتى عند انبعاث أصوات الطيور وزقزقة العصافير، تظل تلك الأصوات جزء من لوحة تكعبية تضيع بها النهايات وتتلاشى.
وماان تعود إلى اابيت حتى ترى المؤكولات العربية تملؤ السفرة. فتحار في امرك من أين تبدأ. فهناك الجبنة البلدية والزيتون بأنواعه التي تشتهر به القرية والخبز الطازج الذي مازال يرتفع منه بخار الفرن.
وفي النهاية ، عندما يحين وقت العودة تتشابك الأيدي ، وتتصارع في الداخل ذوات ، وأخيرا تنتصر تلك الذوات التي تميل إلى العمل والعودة إلى امريكا. فتنحزم الامتعة وتنطلق حناجر الوداع عالية.

ليست هناك تعليقات: